ابن عطاء الله السكندري

31

تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )

مجالسة أهل هذا الزمان فقد تعرض لمعصية اللّه تعالى ، مثاله كمن جعل الحطب اليابس في النار ويريد أن لا تتقد فقد أراد محالا لأنه قد ورد : خص بالبلاد من عرف الناس وعاش فيهم من لم يعرفهم فربما جالست غير متق وكنت أنت متقيا فجرك إلى الغيبة وقهرك في نفسك ما خرب القلوب إلا قلة الخوف . القلب الحسن هو الذي لا يشغله عن اللّه حسن . إن أردت شفاء قلبك فأخرج إلى صحراء التوبة وحول حالك من الغيبة إلى الحضور والبس ثياب الذلة والمسكنة . فإن القلب يشفى ولكنك تحشر بطنك وتتفاخر بالسمن فمثالك كالخروف الذي يسمن للذبح ألا فقد ذبحت نفسك وأنت لا تشعر . لا يفتك مجلس الحكمة ولو كنت على معصية فلا تقل ما الفائدة في سماع المجلس ولا أقدر على ترك المعصية بل على الرامي أن يرمى فإن لم يأخذ اليوم يأخذ غدا ولو كنت كيسا فطنا لكانت حقوق اللّه عندك أحظى من حظوظ نفسك . ما يطلع على الأسرار إلا أمين وأنت تعطى نفسك حظها من المآكل والمشارب حتى تملأ بيت الخلاء أو يكفيك حب الدنيا ، ومن أحب الدنيا فقد خان ومن خان فهل يطلعه الملك على أسراره فاستعمل الأفكار وعليه أنزل الأنوار . ما نفع القلب شيء مثل خلوة يدخل بها ميدان فكره كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته أم كيف يرحل إلى اللّه وهو منكبّ على شهواته أم كيف يطمع أن يدخل حضرة اللّه وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته . أصل كل معصية وغفلة وسهو الرضا عن النفس . وأصل كل طاعة ويقظة وعفة عدم الرضا عنها . لا ترحل من كون إلى كون فتكون كالحمار في الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه ولكن ارحل من الأكوان إلى المكون وإن إلى ربك المنتهى : إنما الأنوار مطايا القلوب والأسرار والنور جند القلب كما أن الظلمة جند النفس فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار . النور له الكشف والبصيرة لها الحكم والقلب له الإقبال والإدبار . الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة فالنفس تنظر إلى ظاهر غرتها والقلب ينظر إلى باطن عبرتها . متى أوحشك من خلقه فاعلم أنه يريد أن يفتح لك باب الأنس به . الصلاة محل المناجاة ومعدن المصفاة يتسع فيها ميادين الأسرار وتشرق فيها شوارق الأنوار . علم وجود الضعف منك فقلل أعدادها وعلم احتياجك إلى فضله فكثر إمدادها . الناس يمدحونك بما يظنون فيك فكن أنت ذا ما لنفسك لما تعلم منها فإن أجهل الناس من ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس . غيب نظر الخلق إليك بنظر اللّه إليك وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك : علم أن العباد يتشوقون إلى ظهور سر العناية فقال تعالى : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 105 ) [ البقرة : 105 ] .